النويري

44

نهاية الأرب في فنون الأدب

غلاما مراهقا ، فلمّا قرب من مصر بنى له عريشا من أغصان الشجر وستره بحشيش الأرض ، ثم بنى له بعد ذلك في الموضع مدينة وسمّاها درسان « 1 » ، أي باب الجنة ؛ فزرعوا وغرسوا الأشجار والأجنّة من درسان إلى البحر . [ فصارت هناك « 2 » ] زروع وأجنّة وعمارة وكان الذين مع مصريم جبابرة ؛ فقطعوا الصخور وبنوا المعالم والمصانع وأقاموا في أرغد عيش . ونكح مصريم امرأة من بنات الكهنة فولدت له ولدا سمّاه قبطيم ، ونكح قبطيم بعد سبعين سنة من عمره امرأة ولدت له أربعة نفر ، وهم : قفطريم ، وأشمون ، وأتريب ، وصا ، وكثروا وعمّروا الأرض وبورك لهم فيها . وقيل : كان عدد من وصل مع مصريم ثلاثين نفرا فبنوا مدينة سمّوها مافه ، ومعنى مافه ثلاثون بلغتهم ، وهى منف ؛ وكشف أصحاب فليمون عن كنوز مصر وعلَّموهم خطَّ البرابى ، وأثاروا لهم المعادن من الذهب والزبرجد والفيروزج والأسباد شم « 3 » وغير ذلك ، ووصفوا لهم عمل الصنعة ، فجعل الملك أمرها إلى رجل من أهل بيته يقال له مقيطام ، فكان يعمل الكيمياء في الجبل الشرقىّ فسمّى به المقطَّم ، وعلَّموهم أيضا عمل الطلَّسمات . وكانت تخرج من البحر دوابّ تفسد زرعهم وأجنّتهم وبنيانهم فعملوا لها الطلَّسمات فغابت ولم تعد . وبنوا على عبر البحر مدنا منها : رقودة مكان الإسكندرية ، وجعلوا في وسطها قبّة على أساطين من نحاس مذهب والقبّة مذهبة ، ونصبوا فوقها مرآة من أخلاط شتّى قطرها خمسة أشبار ؛ وكان ارتفاع القبّة مائة ذراع ؛ فكانوا إذا قصدهم قاصد من الأمم التي حولهم ، فإن كان مما يهمّهم أو من البحر عملوا لتلك المرآة عملا فألقت شعاعها على ذلك الشئ فأحرقته ؛ فلم تزل على حالها إلى أن غلب عليها

--> « 1 » درسان : هي مدينة العريش . « 2 » التكملة من خطط المقريزي ( ج 1 ص 73 طبعة فييت ) . « 3 » في مروج الذهب للسعودى ( ج 1 ص 180 طبع بلاق ) : « الاشباد جشم » وذكر أنه نوع من الجواهر تتخذ منه النصول وغيرها .